مكافحة الفساد... المعركة التي تُعيد بناء الدولة
تُجمع الأدبيات السياسية والإدارية الحديثة على أن الدولة لا تُقاس بقوة مؤسساتها الأمنية أو حجم مواردها الاقتصادية فحسب، وإنما بقدرتها على فرض سيادة القانون، وحماية المال العام، وإخضاع الجميع لمبدأ المساءلة؛ ولهذا أصبحت مكافحة الفساد أحد أهم مؤشرات الحكم الرشيد، والركيزة الأساسية التي تنطلق منها مشاريع الإصلاح وبناء الدول الحديثة.
فالفساد ليس مجرد مخالفة قانونية أو جريمة مالية، بل هو منظومة تُقوّض الثقة بين المواطن والدولة، وتُهدر الموارد، وتُعطّل التنمية، وتُضعف المؤسسات، وتفتح أبواب الفوضى والإفلات من العقاب. لذلك تؤكد النظريات الحديثة في بناء الدولة أن أي مشروع للإصلاح السياسي أو الاقتصادي لن يحقق أهدافه ما لم يسبقه أو يرافقه مشروع حقيقي لمكافحة الفساد وترسيخ سيادة القانون.
وانطلاقاً من هذه الأسس، فإن الإجراءات التي تتخذها الحكومة العراقية في ملاحقة الفاسدين واسترداد المال العام تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء الدولة، فهذه الإجراءات لا تقتصر على ملاحقة أشخاص بعينهم، وإنما تؤسس لثقافة مؤسسية جديدة قوامها أن المال العام مصون، وأن القانون يسري على الجميع، وأن النفوذ لا ينبغي أن يكون وسيلة للإفلات من العدالة.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات عندما تأتي في إطار من التكامل بين السلطات التنفيذية والقضائية، وضمن الأسانيد الدستورية والقانونية التي تكفل سلامة الإجراءات وعدالتها، فالدولة القوية لا تبنى بردود الأفعال أو القرارات الاستثنائية، وإنما بمؤسسات تعمل وفق القانون، وقضاء مستقل، وأجهزة رقابية فاعلة، وإرادة سياسية لا تتردد في مواجهة الفساد مهما كانت امتداداته.
ولا يختلف اثنان على أن معركة مكافحة الفساد لا تقل أهمية عن معركة مكافحة الإرهاب، بل قد تكون أكثر تعقيداً؛ لأن الإرهاب يستهدف الدولة من خارجها، بينما يعمل الفساد على إضعافها من داخلها، مستنزفاً مواردها ومعطلاً قدرتها على تقديم الخدمات وتحقيق التنمية والإعمار.
ومن هنا، فإن نجاح الحكومة في هذا المسار يتطلب الاستمرار بالنهج ذاته، وتوسيع نطاق الإصلاح المؤسسي، وتسريع استرداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة كل من تثبت إدانته دون انتقائية أو استثناء، فالمواطن لا يبحث عن حملات مؤقتة، وإنما يتطلع إلى منظومة عدالة راسخة تؤمن بأن لا أحد فوق القانون.
إن بناء الدولة مشروع تراكمي يبدأ بإرساء سيادة القانون، ويترسخ بحماية المال العام، ويكتمل بتحقيق العدالة والتنمية والإعمار، وكل خطوة تُتخذ اليوم في مكافحة الفساد تمثل لبنة جديدة في هذا المشروع الوطني، وتؤكد أن العراق يمضي، وإن كان بتحديات كبيرة، نحو دولة المؤسسات والحكم الرشيد، بما يلبي تطلعات شعبه في وطن آمن، مزدهر، وعادل.