العراق ما بعد الحرب لن يكون كما كان في السابق، ولن يعود إلى الصيغة ذاتها التي أُدير بها في المراحل الماضية. فالمتغيرات الكبيرة التي شهدتها البلاد والمنطقة تفرض اليوم مراجعة شاملة لكثير من المواقف والقرارات والسياسات التي ما زلنا ندفع أثمانها حتى اللحظة. إذ إن الدولة، ويا يا للأسف، لم تعد تبسط سيادتها الكاملة على الأرض والسماء، وهو واقع لا يمكن الاستمرار في تجاهله أو التعايش معه بمنطق المجاملة أو التسويف، مع غياب أركان معادلة الحكم بالشراكة كما هو متعارف عليه منذ تأسيس النظام السياسي الحديث في العراق.
إن أولى الخطوات المطلوبة في هذه المرحلة هي العودة إلى تطبيق الدستور العراقي تطبيقاً كاملاً من دون انتقائية، وتفعيل دور الوزارات الاتحادية على كل شبر من أرض الوطن، ولا سيما وزارات الدفاع والداخلية والمالية والخارجية والنفط، بما يعيد للدولة هيبتها، ويكرّس وحدة القرار والسيادة، ويعزز دور الحكومة الاتحادية في إدارة شؤون البلاد.
لقد أدى تماهي الحكومات السابقة مع الأسلوب والسياسة العامة التي انتهجتها إدارة إقليم كردستان العراق، والساعية في كثير من الأحيان إلى القفز على الدستور والتمايل على القانون، بالتزامن مع ضعف القرار السياسي للمركز وغياب ملامحه بسبب المجاملات، إلى تكريس واقع جعلت تلك الإدارة تتصرف وكأناه دولة مستقلة داخل جسد الدولة العراقية الاتحادية، مستفيدةً من ضعف المركز، ومستغلةً الظروف الصعبة التي يمر بها البلد، مع محاولات متكررة للضغط وابتزاز قرارات الحكومة الاتحادية وأجهزة الدولة.
ونحن نؤكد بوضوح أن موقفنا هذا ليس موجهاً ضد إخوتنا من أبناء القومية الكردية، الذين تربطنا بهم علاقات اجتماعية ووطنية طيبة، بل هو موقف صريح من السياسة العامة التي تنتهجها إدارة الإقليم، وهي سياسة تستوجب المراجعة والتقويم. ومن هذا المنطلق، فإننا نرى ضرورة تنظيم ملف رواتب موظفي الإقليم ضمن أطر قانونية واضحة وملزمة، بما يضمن ديمومة الدفع بصورة عادلة ومنتظمة، ويحقق مبدأ العدالة الاجتماعية؛ لأن الشعوب أهم من الإدارات، وحقوق المواطنين يجب ألّا تبقى رهينة للخلافات السياسية.
كما نوضح أن السياسات التي اتبعتها إدارة الإقليم طوال العقدين الماضيين، مع تعقيدات المرحلة الحالية التي تمر بها المنطقة، دفعتنا إلى المطالبة بمراجعة شاملة لسياسة المركز التي بالغت طويلاً في مجاملةإدارة الإقليم على حساب بقية المحافظات العراقية غير المنتظمة بإقليم. ولدينا على ذلك شواهد كثيرة وواضحة؛ إذ لا سلطة فعلية للجيش العراقي على أي شبر من أرض محافظات الإقليم، فضلًا عن التهرب المتعمد من تسليم إيرادات مبيعات النفط المثبتة في قانون الموازنة الثلاثية، وكذلك العائدات الضريبية والجمركية وإيرادات المنافذ الحدودية، إلى جانب عدم التزام قوات البيشمركة، بوصفها قوات حرس الإقليم، بقرارات القائد العام للقوات المسلحة. والقائمة تطول فيما يتعلق بالمخالفات الدستورية والقانونية التي لم يعد من الممكن السكوت عنها أو تأجيل معالجتها.
وفي الختام، فإن من يؤمن حقًا بمبدأ الشراكة والتوازن والتوافق عليه أن يلتزم بهذه المبادئ في السراء والضراء، لا أن يجعلها شعارات تُرفع عند الحاجة ثم تُعطَّل عند الاستحقاق. فبناء الدولة لا يتم بالمجاملات، بل باحترام الدستور، وتطبيق القانون، وترسيخ سلطة الدولة الاتحادية على الجميع بلا استثناء.